أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
434
أنساب الأشراف
يقول الله تبارك وتعالى : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون [ 1 ] . فبئست الدار لمن أقام فيها ، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لأبد ، فإنما هي كما وصفها الله عزّ اسمه باللعب واللهو ، وقد قال : أتبنون بكل ربع آية تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون . وإذا بطشتم بطشتم جبارين [ 2 ] . وقد قالوا من أشد منا قوة [ 3 ] ثم حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا فلا يتركون ضيفانا . وجعل لهم من الضريح أجنانا ومن التراب أكفانا . ومن الرفات جيرانا . وهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما . إن أخصبوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جميع وهم آحاد ، جيرة وهم أبعاد متناؤون لا يتزاورون . حلماء قد ذهبت أضغانهم . وجهلاء قد ماتت أحقادهم . لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم . وكما قال الله عزّ اسمه : فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين [ 4 ] استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنور ظلمة ، فجاؤوها كما فارقوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود الأبد . يقول الله عزّ وجلّ : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كنا فاعلين [ 5 ]
--> [ 1 ] سورة هود - الآية : 15 . [ 2 ] سورة الشعراء - الآيات : 128 - 130 . [ 3 ] سورة فصلت - الآية : 15 . [ 4 ] سورة القصص - الآية : 58 . [ 5 ] سورة الأنبياء - الآية : 104 .